ثورة الجزائر محطة جديدة للحربة في البلاد العربية بتاريخ 17 سبتمبر

ثورة الجزائر محطة جديدة للحربة في البلاد العربية بتاريخ 17 سبتمبر

هذا هو التاريخ الذي اعلنته بعض فئات المجتمع الدمني والهيئات الحقوقية بالجزائر ليكون نظاما للثورة على الظلم والاستعباد وعلى السرقة النهب وعلى السلطة المطلقة التي يتمتع بها جنرالات الجزائر الذين يتحكمون في مصير بلد المليون شهيد فالى ذلك الموعدة مزيد ومزيد من الحريات ونسيمها يفوح في الارجاء العربية التي ستصبح حرة قريبا

صورة للعقيد القذافي واختفاء القذافي من طرابلس وانباء عن سيطرت الثوار المدعومين من طرف حلف الناتو

صورة للعقيد القذافي واختفاء القذافي من طرابلس وانباء عن سيطرت الثوار المدعومين من طرف حلف الناتو

زعيم سوريا يقول انه لن يسقط حتى تنتهي وتباد سورية

زعيم سوريا يقول انه لن يسقط حتى تنتهي وتباد سورية

للمزيد عبر الرابط التالي :

http://www.alarabiya.net/articles/2011/08/22/163438.html

وصف الدكتور عمار القربي، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، خطاب الرئيس السوري بشار الأسد بأنه تصعيدي ودون الأمل المرجو، وقال إن المفهوم من خطاب الأسد هو جملة واحدة: لن نسقط حتى تنتهي سوريا.

وحلل القربي – في حديثه لبرنامج “بانوراما” الذي تقدمه الإعلامية منتهى الرمحي على شاشة “العربية” – ما ورد على لسان الأسد من وضعه فترة زمنية للإصلاحات حتى السنة القادمة، بأنها فترة كافية لإبادة الشعب السوري إذا استمر النظام على هذه الوتيرة المتصاعدة.

وقال: “إن الأسد رد على دعوات التنحي بمزيد من العنف والمزيد من التصعيد في الداخل، وكأنه يقول للعالم إما أنا وإما الخراب أو الفوضى”.

من جهته أكد صالح القلاب، وزير الإعلام الأردني السابق، على أن الخمسين سنة التي حكم فيها حزب البعث سوريا، كانت سنوات لتشويه وتدمير لقيم سوريا وعلاقاتها ولقهر شعبها والاعتداء على الشعوب العربية المجاورة.

وذكر في حديثه لبرنامج “بانوراما” أن رجال الدولة لا يستهينون بالمجتمع الدولي وبالعالم، ولا يتحدثون بهذه الطريقة التي تحدث بها الأسد، وهو يعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية تؤثر على الصين وتؤثر على روسيا وعلى الكثير من الدول.

وشدد القلاب على أن مجلس الأمن يستطيع بقراراته تكبيل هذا النظام، وجعله لا يستطيع أن يتحرك، بينما بشار الأسد، قائد الدولة العظيمة الكبيرة، يتحدث عن مجلس الأمن مثل حسن نصر الله، وكأن العالم كله ليس له قيمة عندهما.

قصف غير مسبوق للجيش السوري على حماة وسقوط 24 قتيلاً في عدة مدن

قصف غير مسبوق للجيش السوري على حماة وسقوط 24 قتيلاً في عدة مدن

أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، اليوم الثلاثاء، بمقتل 24 شخصاً خلال الحملة العسكرية التي ينفذها الجيش السوري في عدة مدن سورية برصاص قوات الأمن في أول أيام شهر رمضان.

وأوضح المرصد أن “عدد الشهداء المدنيين الذين سقطوا أمس الاثنين في عدة مدن سورية برصاص القوات العسكرية الأمنية السورية والشبيحة بلغ 24 شهيداً” بينهم 10 سقطوا “خلال المظاهرات التي خرجت في عدة مدن سورية بعد صلاة التراويح”.

وكانت بعض المستشفيات في مدينة حماة دعت السكان الى التبرع بالدم لإسعاف المصابين. وتواصلت كذلك الحملة العسكرية على مدينة دير الزور قرب الحدود العراقية حيث قطعت عنها الاتصالات.

وأكد ناشطون سوريون دخول تعزيزات من الجيش إلى مدينة الزبداني قرب دمشق ومن ثم تم إقامة حواجز على الطرق.

ولم يجد الكثير من سكان حماة في أول يوم من أيام الشهر الفضيل مكاناً يؤدون فيه صلواتهم بعد قصف الجيش السوري لعدد من مساجد المدينة.

وتحدث ناشطون سوريون عن سقوط قتلى وجرحى في الحملة العسكرية التي ينفذها الجيش السوري في وقت يستمر فيه القصف الذي طاول معظم أحياء المدينة.

كما أفاد سكان يطلون على سجن حماة بأن هناك عصياناً داخل السجن وأن قوات الأمن تطلق النار وتقتل السجناء بالجملة.

ورغم الحصار والقصف خرج سكان حماة في مظاهرات ليلية ضخمة انطلقت من المساجد بعد صلاة التراويح.

وقامت قوات الأمن بإطلاق الرصاص على مظاهرات في شارع الملعب ما أسفر عن سقوط عشرات الجرحى، كما أفاد ناشطون.

ودفعت كثرة الإصابات مستوصف حي الملعب الى إطلاق نداء للأهالي بالتبرع بالدم بسبب النقص الحاد.

وفي حمص خرجت مظاهرة حاشدة في حي الخالدية نصرة لحماة، كما خرجت مظاهرات ليلية في بلدات حوران بالإضافة إلى مظاهرات في معرة النعمان وكفر تخاريم في محافظة إدلب نصرة لحماة ودير الزور والبوكمال.

وأفاد ناشطون بأن ظاهرة حاشدة خرجت ليل الاثنين من جامع الجسر في الزبداني وسط إطلاق نار كثيف, فيما تحدث الناشطون في وقت سابق عن أن اكثر من 20 دبابة وناقلة جنود دخلت تصاحبها جرافات عسكرية. وقام الجيش بوضع حواجز وانتشر قناصة على التلال القريبة كما انتشر ما يعرف بالشبيحة في حواجز الجيش.

وفي ريف دمشق خرجت مظاهرة حاشدة في حرستا, وفي وقت سابق انتشر الجيش في مدينة الكسوة في هذه المحافظة.

وأكد معارضون سوريون أن السلطات تنفذ حملة شرسة في المعظمية، حيث يهاجم الجيش المصلين في المساجد بالرصاص.

وانطلقت مظاهرة أخرى في دير الزور مع استمرار الحملة العسكرية التي ينفذها الجيش السوري على مدينة البوكمال (شرق سوريا)، حيث قال ناشطون إن قتلى وجرحى سقطوا في الحملة وانقطعت عنها الاتصالات.

وأفاد الناشطون أيضاً بقيام الدبابات والمدرعات بقصف عشوائي للمدينة، فيما قامت قوات الأمن يرافقها مسلحون موالون للنظام بتحطيم المحال التجارية وإحراقها.

ومن جانبها دعت الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الانسان الاتحاد الأوروبي والمجموعة الدولية ككل إلى استخدام كافة الوسائل الدبلوماسية من أجل مساعدة الشعب السوري منها التصويت على قرار دولي يحيل قضية أعمال التقتيل إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وقالت الشبكة بحسب مراسل العربية و مقرها في كوبنهاغن (الدنمارك) بأنها حصلت على قائمة تضم أسماء 75 ضحية منهم 56 في حماة يوم الأحد.

وتذكر بأن طفلين كانا ضمن القتلى وهما ليال عسكر (8 سنوات، في درعا) وعمر المصري (13 سنة، من حماة) وكذلك سائق سيارة إسعاف في منطقة حماة، هيثم نجيب عبدالرحمن.

واضافت الشكبة الأوروبية المتوسطية لحقوق الانسان بأن “حصيلة الضحايا قد تتجاوز بكثير حيث لا يمكن حصرها بدقة في ضوء غلق البلاد وغياب المراقبين الأجانب”.

ونقلت عن منظمات حقوقية سورية “تنفيذ السلطات حملة اعتقالات عشوائية في نهاية الأسبوع في كل من البوكمال ودير الزور، اللاذقية، درعا وفي منطقة دمشق”. وذكرت بأن عمليات اختطاف المواطنين وممارسة التعذيب على نطاق واسع تعد بمقتضى القانون الدولي جرائم ضد الانسانية.

وعلى صعيد متصل، أكد مراسل “العربية” في نيويورك انتهاء جلسة مجلس الأمن حول العنف في سوريا من دون أي اختراق، وأضاف أن الجلسة ستستأنف اليوم الثلاثاء في حدود العاشرة صباحاً بتوقيت نيويورك وذلك وسط مطالبَ أوروبية على وجه التحديد بضرورة أن يتخذ المجلس إجراءات عقابية بحق دمشق.

الاهواز عربية إسلامية سنية وليست فارسية

الاهواز عربية إسلامية سنية وليست فارسية

تعتبر منطقة الاهواز منطقة عربية اسلامية تابعة للخليح العربي الاسلامي استعمرتها ايران لتحاول بذلك طمش هويتها مجارين بذلك فعل اليهود المحتلين لفلسطين ويعاني اهل الاهواز العرب المسلمين السنة من اضطهاد طائفي وعنصري ليس له مثيل فهم يعانون من التضييق والافقار والتجويع والحصار منذ سنين ويتم التضييق عليهم من طرف الرافضة الملالية بطهران والطهمة الحاكمة التي تكره العرب والاسلام وودو لو ان امجاد المجوس وعبدة النار تعود ليرتاح ضميرهم ونفوسهم لكن هيهات فالاسلام ماض وباقي على الارض مهما كان حجم المكر والله متم نوره ولو كره اتباع الخميني وخامنئي فمنطقة الاهواز تبقى منطقة عربية اسلامية استولت عليها ايران ولم تعد للان الى الحضن العربي الاسلامي لكناه ستعود على يد مخلصين لله يجاهدون في الله ولا يخافون لومة لائم وسيسقط نظام المتعة والخمس بايران عاجلا او اجلا

بشرى سارة نهاية النظام السوري وشيكة

بشرى سارة نهاية النظام السوري وشيكة

ذلك ان حزمة الاموال الايرانية التي استلمها والتي تقدر بحوالي 6 مليار دولار تكاد تنفد والاقتصاد السوري الذي يدر مكاسب كبيرة للنظام السوري معطل نتيجة العصيان المدني الذي يقوم به الشعب لاسقاط النظام النصيري المجرم الكافر وبالتالي لن يجد النظام شيئا ليقدمه لحفنة المجرمين في نظامه وسيعلن الافلاس التام دون ايجاد اي مصادر تمويل لحملاته العسكرية ضد الشعب السوري والمدن السورية والمدنيين وسيتخلل الامر استقالات وهروب وانشقاقات داخل النظام نفسه ليجد النظام نفسه تحت وعلى راسه بشار الاسد المجرم تحت قبضة الشعب وان ذلك سيحين موعد الحساب وسيقتص من النظام بما فيهم عائلته وزوجته وكل من هو مرتبط به وباعمال الارهاب ضد الشعب السوري

نصر الله قريب باذن الله فرج الله عن اهلنا بسورية فوالله ان سقوط نظامهم يعني نصرا كبيرا للاسلام وسيزول بزواله كثير من اعجاء الامة حيث ستعمل اسرائيل الف حساب للعرب والمسلمين بعد ذلك ثم سيكون في ذلك عزا لاهل الاسلام فيي لبنان الذي سرقته عصابة ايران وحزب الات

شهداء الثورة بين جرائم الطغاة وفتنة الدعاة / بقلم د. حاكم المطيري

شهداء الثورة
بين جرائم الطغاة وفتنة الدعاة
بقلم د. حاكم المطيري
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وبعد ..
جاء في الحديث الصحيح (أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون)، وجاء في رواية (أخوف ما أخاف على أمتي حيف الأئمة) وفي رواية (جور السلطان)!
كنت أظن – وأكذب الحديث الظن – أن الخلاف في حكم قتلى الثورة العربية هو فقط في هل هم شهداء لهم أحكام الشهداء في الدنيا والآخرة؟ أم شهداء في حكم الآخرة فقط؟ أم ليسوا شهداء وإنما هم كسائر أموات المسلمين؟
ولم أتصور أن يصل الخلاف فيهم إلى ما هو أبعد من ذلك كأن يدعي أحد بأنهم خوارج وحرورية! وأن يدعي أحد أن ابن علي في تونس وبشار في سوريا والقذافي في ليبيا وحسني في مصر وعلي صالح في اليمن وأشباههم ولاة أمر تجب طاعتهم، وأن طاعتهم من طاعة

الله ورسوله، ومن خرج عليهم ولو بشكل سلمي فيجب قتله وسفك دمه؟! ومن مات منهم مات ميتة جاهلية!
وحين يصل الخلاف إلى هذا الحد، وإلى حد تصور أن هؤلاء ولاة أمر شرعيون، وأن طاعتهم من طاعة الله ورسوله، وأنهم يدخلون في عموم قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، وليس في عموم قوله {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، ولا في عموم {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}! وحين تنزّل فيهم وعليهم نصوص السمع والطاعة، والصبر على جور أئمة المسلمين، فإن الموضوع حينئذ يخرج بنا عن مسألة القتلى وحكمهم، إلى مسألة أخرى أشد خطرا في الدين والاعتقاد تتمثل في : ما هو الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ وما حقيقة التوحيد الذي دعا إليه؟ وما هو الطاغوت الذي يجب الكفر به؟ وما هي الإمامة الشرعية التي يجب لها السمع والطاعة؟ ومتى تكون السلطة شرعية ومتى لا تكون؟ …الخ
إلى عشرات الأسئلة التي هي مقدمات طبيعية لا يمكن فهم موضوع حكم شهداء الثورة ما لم يتم فهم تلك المقدمات! مع أن عامة المسلمين بفطرتهم السليمة لا يحتاجون إلى كل ذلك!
لقد جاءتني رسائل كثيرة من بعض الدعاة وطلبة العلم الشرعي يستشكلون بعض ما جاء من ردود على المقال، مع أن تلك الردود هي دليل أزمة فكرية تعيشها الأمة بسبب عجز دعاتها وعلمائها حين فاجأتهم الأحداث وتجاوزتهم، وإذا الأمة تشق طريقها نحو حريتها وكرامتها وإنسانيتها المسلوبة، بعد عقود من التيه، الذي لم يستطع الدعاة خلاله إخراجها مما هي فيه، بعد أن تحالف قسم كبير منهم في كل بلد مع نظامه وطاغوته على حساب حرية الأمة وكرامتها وحقوقها، فلم يأخذوا بالعزيمة ويجاهدوا الطاغوت، ولا هم اعتزلوه كما أمر الله بقوله {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}!
فلما مضت وحدها تدك عروش الطغاة، وتنسفها في اليم نسفا، فتذرها قاعا صفصفا، فإذا أولئك المفتونون يحنون من حيث يشعرون أو لا يشعرون، إلى الطغاة وعهودهم، الذين أشربوا حبهم في قلوبهم واتخذوهم أندادا من دون الله، يوالون من يوالونهم، ويعادون من يعادونهم، فلم يجدوا لتبرير صمتهم طول هذه المدة، ولتبرير تخلفهم عن الوقوف مع الأمة في ثورتها ضد الظلم والاستبداد، وضد الفوضى والفساد، وضد الخيانة والعمالة التي تأباها كل شعوب الأرض على حكوماتها، إلا بادعاء أن الدين يمنعهم من ذلك! وأن في أعناقهم بيعة لطواغيتهم! وأن من خرج عليهم فمات مات ميتة جاهلية! وأن أهل السنة يحرمون الخروج ..الخ!
فإذا الأمة بين طغيان الرؤساء الذين يقاتلونها، وفتنة الدعاة الذين يضلونها ويخذلونها!
والسؤال هنا هل هذه الحكومات العربية الإجرامية – التي تحكم الأمة بالحديد والنار، بدعم من العدو الخارجي، الذي فرضها على الأمة – لها ولاية شرعية؟ وإذا كانت كذلك فهل لها أن تقتل شعبها إذا خرج يدعوها بشكل سلمي إلى رفع الظلم عنه؟ وإذا كان لا يحق لها ذلك فما حكم من قتلته؟ وهل يصدق عليه أنه مقتول ظلما وبغيا أم لا؟ وهل يدخل في عموم النصوص (من قتل دون مظلمته فهو شهيد) (ومن قتل دون ماله فهو شهيد) أم لا؟
فأقول سبق في مقالي (الأحكام الفقهية لشهداء الثورة العربية)، بيان القول في أقسام الشهداء وأحكامهم بحسب ما جاءت به السنة، وبحسب أقوال الأئمة، وبينت أنه لا خلاف بين الفقهاء في إثبات وصف الشهادة لـ :
1- المقتول ظلما، ممن خرج في المظاهرات يدعو إلى رفع الظلم، بشكل سلمي، ولم يقاتل، فقتل على يد السلطة، كما جرى في تونس ومصر واليمن وسوريا.
2- والمقتول دون حقه، ممن قاتل دفعا لعدوان السلطة التي اعتدت عليه، كما جرى ويجري في ليبيا.
3- والمقتول في المظاهرات، ممن خرج احتسابا وتغييرا للمنكر.
فكل هؤلاء شهداء، ويسمون شهداء، ويطلق على أعيانهم هذا الوصف كما تواترت به السنة، بلا خلاف بين الأئمة، وإنما اختلف الفقهاء في هل هم كشهداء المعركة لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وهم الشهداء في حكم الدنيا والآخرة؟
أم يغسلون ويصلى عليهم كشهداء الغرق والحريق والطاعون ونحوهم ممن وردت السنة بإطلاق وصف الشهادة عليهم ، وقد بلغ عددهم عند بعض الفقهاء عشرين صنفا، وهم الشهداء في حكم الآخرة، دون حكم الدنيا؟
والفرق بين شهيد المعركة وشهيد الحريق ونحوه هو في أحكام الدنيا فقط، فشهيد المعركة لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن بلباسه، بخلاف شهيد الغرق والحريق والطاعون ونحوهم فإنهم شهداء إلا أنهم يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم كسائر أموات المسلمين، وأما في حكم الآخرة فهم جميعا شهداء لهم الثواب الموعود للشهداء يوم القيامة، فلا يتعرضون لفتنة القبر ولا فتنة البرزخ ولا فتنة الحساب، بل يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب، رحمة من الله بهم لما تعرضوا له من فتنة وتمحيص في الدنيا والوفاة بتلك الأسباب التي هي من أشد البلاء، ويختص شهداء المعركة عن باقي الشهداء بكونهم أحياء عند ربهم يرزقون، وبأنهم أعلى درجة في منزلة الشهادة من غيرهم من الشهداء، حتى أن شهيد المعركة يشفع في سبعين من أهله ممن وجبت لهم النار!
فأكثر الفقهاء كأبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وهو مذهب الزيدية وغيرهم يرون بأن المقتول ظلما، والمقتول دون حقه، والمقتول لقيامه بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لهم حكم شهيد المعركة في الدنيا والآخرة، وذهب مالك وغيره إلى أن لهم حكم شهيد الغرق والحريق.
فالخلاف بين الفقهاء ليس في تسميتهم شهداء ولا في ثوابهم في الآخرة، بل في حكمهم الدنيوي!
وإذا كان الخلاف له وجه في المقتول ظلما، والمقتول دون حقه، وأنه شهيد فقط في حكم الآخرة، فيطلق عليه وصف الشهادة في الدنيا والآخرة، إلا أنه يغسل ويصلى عليه كشهيد الغرق والحريق والهدم والمبطون الخ.
فلا وجه للخلاف في المقتول بسبب تصديه للسلطان الجائر، فهو كشهيد المعركة سواء بسواء، للحديث الصحيح في مسلم عن الأمراء السوء (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)، وحديث (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وحديث (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله).. الخ
فقد أثبتت هذه النصوص وغيرها كثير بأن القائم بالحق والآمر بالمعروف أمام السلطان الجائر مجاهد في سبيل الله، بل هو أفضل الجهاد، فإن قتله فهو شهيد بل سيد الشهداء!
فمثل هذا لا يغسل ولا يصلى عليه على الصحيح، وإن غسل وصلي عليه فلا حرج.
وعند النظر في أحوال من خرجوا في الثورة العربية نجد أنهم لا يخرجون عن هذه الأقسام بحسب الظاهر إما أنهم :
1- مظلومون ابتداء تعرضوا للظلم في أموالهم وأرزاقهم وحرياتهم وكرامتهم وأعراضهم فخرجوا يطالبون بحقوقهم بشكل سلمي، ولم يقاتلوا ولا قصدوا القتال، فتم قتلهم أثناء ذلك ظلما وعدوانا من قبل السلطة ورجالها، فيصدق فيهم حديث (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ..) ، وفي رواية (من قتل دون مظلمته فهو شهيد) .
2- أو مدافعون عن المظلومين، وإن لم يقع عليهم ظلم مباشر، إلا أنهم خرجوا بشكل سلمي لنصرة المظلومين والدفاع عنهم، وهؤلاء قاموا بالواجب الشرعي كما قال تعالى {وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وجاء في الصحيحين (انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، وجاء في الصحيحين أيضا (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع.. ونصرة المظلوم..)، وقال (لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا)، وقال (إذا رأت أمتي الظالم ولم تأخذ على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده)..الخ
فإن اعتدت السلطة عليهم، فقتلت أحدا منهم، فهو مقتول ظلما وعدوانا وبلا وجه حق بلا خلاف، وهو كشهيد المعركة عند الأكثر.
3- أو مصلحون محتسبون خرجوا بشكل سلمي بنية إعلاء كلمة الله، وتغيير المنكر، فيدخلون في عموم (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر).
4- أو مجاهدون خرجوا على طاغية فقاتلهم، فقاتلوه لدفع عدوانه، فهم شهداء معركة بلا خلاف.
فهذه أحوال من خرجوا في الثورة العربية من حيث العموم، فالمقتول منهم شهيد، سواء كان مقتولا دون حقه ظلما وعدوانا كالقسم الأول وهم الأكثر، أو مقتولا ظلما وعدوانا لنصرته المظلومين كالقسم الثاني، أو مقتولا لقيامه بإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وهم كثير من أهل الصلاح والفضل، ممن خرجوا في هذه الثورة نصرة لدين الله وتغييرا للمنكر، أو مقتولا في معركة مع جيش الطاغية فهو شهيد معركة، وإنما يبعثون يوم القيامة على نياتهم كما في الصحيح (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)!
وهذا التفصيل كله على فرض أن الحكومات العربية اليوم حكومات شرعية إسلامية لها ولاية على الأمة، فكان الواجب على السلطة في كل بلد – على فرض شرعيتها – أن تنصفهم وترفع الظلم عنهم، وأن تمنحهم حقهم، بما في ذلك حقهم في الشورى واختيار السلطة نفسها، وهو الحق الذي جعله الله لهم في قوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم}، لا أن تقاتلهم وتقتلهم وتشن الحروب عليهم كما في ليبيا وسوريا واليمن، وقد أجمع الفقهاء على أنه إذا خرجت خارجة على الإمام الشرعي، دعاهم للفيئة والرجوع، فإن ذكروا ظلما وقع عليهم، وجب عليه رفعه عنهم وإنصافهم، ويحرم قتالهم إذا لم ينصفهم كما ثبت عن علي رضي الله عنه أنه قال عن الخوارج (إن خرجوا على إمام عادل فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم، فإن لهم بذلك مقالا).([1]) وكما في الصحيح (دعوه فإن لصاحب الحق مقالا)..
والإمام العادل هو كل إمام اختارته الأمة بالشورى والرضا، واجتمع عليه المسلمون، ولم يظهر منه فجور ولا جور، فإذا أخذها بالسيف والقوة فهو جائر وإن كان من أهل الصلاح، كما ثبت عن عمر في صحيح البخاري (من بايع رجلا دون شورى المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)، وفي رواية (فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه)!
فولاية مثل هؤلاء الذين يغتصبون السلطة بالقوة ليست شرعية، بل ولاية قهرية بحكم الواقع لا بحكم الشارع، ولها أحكامها الاضطرارية كما فصلته في (تحرير الإنسان)!
فإذا قويت الأمة على الأخذ على أيديهم، ورد باطلهم، فلها ذلك!
وكان الإمام مالك إذا سئل عن القتال مع الخلفاء في عصره ضد من خرج عليهم يقول: (إن كان الخليفة كعمر بن عبد العزيز فقاتل معه، وإن كان كمثل هؤلاء الظلمة، فلا تقاتل معهم).([2])
لأنه لا يرى لهم ولاية شرعية تقتضي وجوب السمع والطاعة لهم والقتال معهم ضد من خرج عليهم!
وقد سئل عن خروج محمد ذو النفس الزكية على أبي جعفر المنصور مع أنه أخذ البيعة من أهل المدينة، فقال الإمام مالك :(إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته).([3])
وسئل الإمام مالك أيضا عن الوالي إذا قام عليه قائم يريد إزالة ما بيده: هل يجب الدفع عنه؟ فقال: (أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم، وأما غيره فلا ودعه وما يريد، فينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم الله منهما جميعا).
وقال مالك أيضا :(إذا بايع الناس رجلا بالإمارة ثم قام آخر فدعا إلى بيعته فبايعه بعضهم أن المبايع الثاني يقتل إذا كان الإمام عدلا، فإن كان مثل هؤلاء فلا بيعة له تلزم، إذا كانت بيعتهم على الخوف، والبيعة للثاني إن كان عدلا، وإلا فلا بيعة له تلزم).([4])
فأبطل الإمام مالك بيعة من أكره الناس على بيعته وأخذ السلطة بالقوة، وأبطل ولايته، وإنما ولايته على الناس ولاية جبرية قهرية بحكم الواقع لا بحكم الشارع، ولها أحكام الاضطرار، فإن قام عدل ينازعه فالبيعة للعدل!
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ولا خلاف بين علماء السنة أنهم يقاتلون – أي الخوراج – مع أئمة العدل مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لكن هل يقاتلون مع أئمة الجور؟ فنقل عن مالك أنهم لا يقاتلون، وكذلك قال فيمن نقض العهد من أهل الذمة لا يقاتلون مع أئمة الجور).([5])
فالإمام مالك – إمام أهل السنة في عصره – لا يرى القتال مع أئمة الجور من خلفاء المسلمين حتى لو خرج عليهم أهل الذمة إذا وقع عليهم ظلم!
أما الجمهور فذهبوا إلى أنه لا يحرم القتال مع الإمام الجائر بشرط أن يكون القتال نفسه مشروعا، كأن يجاهد العدو الحربي، أو يقاتل قطاع الطريق، أما إذا كان يقاتل من خرجوا عليه بسبب ظلمه لهم، ولم ينصفهم، فإنه يحرم إعانة الجائر عليهم بالإجماع، سواء كان يقاتل الخوراج أو أهل الذمة أو غيرهم!
قال ابن حزم (وهكذا جاء عن أبي حنيفة والشافعي وأبي سليمان داود الظاهري وأصحابهم: أن الخارجة على الإمام إذا خرجت سئلوا عن خروجهم، فإن ذكروا مظلمة ظُلموها أُنصفوا، وإلا دُعوا إلى الفيئة، فإن فاءوا فلا شيء عليهم، وأن أبوا قوتلوا، ولا نرى هذا إلا قول مالك أيضا، فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن نرد ما اختلفوا فيه إلى ما افترض الله تعالى علينا الرد إليه إذ يقول تعالى{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، ففعلنا فلم نجد الله تعالى فرق في قتال الفئة الباغية على الأخرى بين سلطان وغيره، بل أمر تعالى بقتال من بغى على أخيه المسلم عموما حتى يفيء إلى أمر الله تعالى، وما كان ربك نسيا، وكذلك قوله عليه السلام:(من قتل دون ماله فهو شهيد)عموم لم يخص معه سلطانا من غيره، ولا فرق في قرآن، ولا حديث، ولا إجماع، ولا قياس بين من أريد ماله، أو أريد دمه، أو أريدت امرأته، أو أريد ذلك من جميع المسلمين، وفي هذا الإطلاق هلاك الدين وأهله، وهذا لا يحل بلا خلاف)انتهى كلام ابن حزم.([6])
وقال ابن تيمية أيضا (مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد قالوا يغزى مع كل أمير برا كان أو فاجرا، إذا كان الغزو الذي يفعله قتالا مشروعا قوتل معه، وإن قاتل قتالا غير جائز لم يقاتل معه، فيعاون على البر والتقوى، ولا يعاون على الإثم والعدوان، فالظالم لا يجوز أن يعاون على الظلم، لأن الله تعالى يقول{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقال موسى{رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين}، وقال تعالى{ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}، وقال تعالى {ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها }، والشفيع المعين فكل من أعان شخصا على أمر فقد شفعه فيه، فلا يجوز أن يعان أحد لا ولي أمر ولا غيره على ما حرمه الله ورسوله).([7])
وهذا بإجماع الفقهاء، فالسلطة الشرعية لا تعان على الظلم والإثم بأي حال من الأحوال، فإذا قاتلت السلطة الشرعية طائفة من الأمة ظلما وعدوانا، فللطائفة الدفع عن نفسها، وكان الواجب كما قال تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}، ولهذا رضي علي بالتحكيم مع كونه إماما شرعيا، إلا أنه لما دعوه إلى الصلح أجاب إليه كما أمر الله بذلك المؤمنين إذا اقتتلوا، ورأى علي أن الآية عامة في السلطان وغيره!
فإذا افترضنا جدلا أن الحكومات العربية حكومات شرعية فالواجب عليها إنصاف شعوبها المظلومة، فإن قاتلت الحكومات شعوبها ظلما وعدوانا، وردوا عدوانها، فقتيل الطائفة المظلومة شهيد، والواجب الدعوة إلى الصلح والحكم بينهم بما أنزل الله، ومن ذلك حكم الله في الشورى وحق الأمة بأن لا يحكمها إلا من اختارته بالرضا، فإن أبت السلطة ذلك وبغت وعادت للقتال، فيجب على الأمة نصرة الطائفة المبغي عليها {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}!
وعلى فرض أن المتظاهرين سلميا بغاة على السلطة، فإن الله لم يأمر بقتالهم مباشرة، بل أمر بالصلح معهم بالحق والعدل، فإن رفضوا الصلح والحكم بالعدل وبغوا وجب قتالهم، وكذلك السلطة إن رفضت الصلح وبغت عليهم وجب قتالها حتى تفيء إلى أمر الله كما هو نص الآية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (فلم يأمر الله بقتال الباغية ابتداء، فالاقتتال ابتداء ليس مأمورا به ; ولكن إذا اقتتلوا أمر بالإصلاح بينهم ; ثم إن بغت الواحدة قوتلت ; ولهذا قال من قال من الفقهاء : إن البغاة لا يبتدءون بقتالهم حتى يقاتلوا). وقال أيضا (فإن كانت إحدى الطائفتين تبغي بأن تمتنع عن العدل الواجب، ولا تجيب إلى أمر الله ورسوله، وتقاتل على ذلك أو تطلب قتال الأخرى وإتلاف النفوس والأموال; فإذا لم يقدر على كفها إلا بالقتل قوتلت حتى تفيء إلى أمر الله).
أما إذا كانت السلطة غير شرعية أصلا، أو ثبت ردتها، كحال أكثر الحكومات العربية اليوم – التي لا تحكم أصلا بالإسلام، ولا تلتزم بقطعيات الأحكام، وتستحل المحرمات القطعية بقوانينها الوضعية، وهي في حكم الطائفة الممتنعة عن الالتزام بالشرائع، كما قال شيخ الإسلام في أمثالها من الطوائف التي أقامت لها دول كالقرامطة في المشرق والعبيدية في المغرب، مما يوجب على الأمة جهادها حال القدرة – فالأمر هنا يختلف، ويكون كل مقتول بيدها ممن خرج عليها من المسلمين شهيد كشهيد المعركة سواء بسواء!
قال في مغني المحتاج في فقه الشافعية في تعريف الشهيد بأن (الشهيد الذي يحرم غسله والصلاة عليه :كل (من مات) ولو امرأة أو رقيقا أو صغيرا أو مجنونا (في قتال الكفار) أو الكافر الواحد، سواء أكانوا حربيين أم مرتدين)!
وفي حاشية قليوبي وعميرة في فقه الشافعية تعريف الشهيد بأنه قتيل المسلمين (..(في قتال الكفار) أي في محاربة كافر ولو واحدا أو مرتدا…)..
فإذا قامت سلطة ثبتت ردتها، وظهر كفرها، وشنت حربها على شعبها، فكل قتيل من المسلمين بيدها شهيد بلا خلاف.
وإذا خرجت الأمة في ثورة سلمية أو مسلحة على سلطة غير إسلامية، أو سلطة ثبتت ردتها عن الإسلام، فجرى بينها وبين الأمة قتال، فالمقتول من المسلمين شهيد معركة عند الشافعية وغيرهم، وهو من أشرف أنواع الجهاد في سبيل الله، إذ دفع المرتد الداخلي عن الولاية على الأمة أوجب من دفع الحربي الخارجي بلا خلاف!
مبحث : في بيان معنى أحاديث السمع والطاعة :
وأما الاحتجاج بأحاديث السمع والطاعة وحديث (وإن أخذ مالك وضرب ظهرك) لتحريم هذه الثورة، فباطل من وجوه :
أولا : إن حقيقة دين الإسلام وغايته أن تكون الطاعة لله وحده، وطاعة من سواه تبع لطاعته، كما قال تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}، وكما قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، بمعنى لآمرهم فيطيعون، كما قال المفسرون، فلا طاعة لغير الله، ولا سمع لمن خالف أمره وشرعه ودينه، فهذا من توحيد الله جل جلاله، المعلوم من دين الإسلام بالضرورة القطعية.
ثانيا : كما إن الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو هداية الخلق وبيان الحق والقسط والعدل الذي يحبه الله ويرضاه لهم، كما قال تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}، وقال سبحانه {قل أمر ربي بالقسط}، وقال جل جلاله عن الغاية من دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم {وأمرت لأعدل بينكم}، فلا يأمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالعدل والقسط الذي أمره الله به.
ثالثا : كما حرم الله جل جلاله الظلم على عباده مطلقا، ونفاه عن نفسه فقال {ولا يظلم ربك أحدا}، وقال {ومن يظلم منكم نذقه عذابا أليما}، وجاء في الحديث الصحيح قال الله تعالى (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)، وتوعد سبحانه بإهلاك الظالمين فقال {لنهلكن الظالمين}.. الخ
فلا يتصور شرعا وعقلا أن يجوز الله الظلم أو يأذن به في دين الإسلام!
رابعا : وقد حدد الله ورسوله حدود الطاعة للسلطة في الإسلام كما في قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}!
فاشترطت الآية شرطين لطاعة أولي الأمر :
1- أن تكون طاعة أولي الأمر في طاعة الله ورسوله، فإن خرجت عن طاعة الله ورسوله فلا طاعة لهم كما في الحديث الصحيح (إنما الطاعة بالمعروف)، وحديث (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وكما في صحيح مسلم اسمعوا وأطيعوا (ما قادكم بكتاب الله)، وفي رواية (ما أقام فيكم كتاب الله)، وهذا هو المقصود أصلا من إقامة السلطة في الإسلام وهو أن تقيم الدين وتحكم بالكتاب، ولهذا قال سبحانه {فإن تنازعتم في شيء} أنتم وولاتكم {فردوه إلى الله والرسول}، ولم يقل فردوه إلى ولاة أمركم، فجعل طاعة الله ورسوله هي الحكم والفيصل على الجميع، فإذا كان الله قد أرسل رسوله وأمره بقول تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}، فكذلك الخلفاء من بعده ليس لهم من الطاعة إلا ما وافق حكم الله جل جلاله.
ولوضوح هذا الأصل كانت أول خطبة خطبها أبو بكر وهو أول خليفة بعد رسول الله في بيان هذا الأصل العظيم، حيث حدد فيها حدود طاعته بقوله (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم) وعلى هذا أجمع الصحابة رضي الله عنهم، وأن طاعة السلطة في الإسلام منوطة ومرهونة بكونها في دائرة طاعة الله ورسوله فقط.
2- أن يكون أولي الأمر منا {وأولي الأمر منكم}، وهذا هو الشرط الثاني، فلا سمع ولا طاعة شرعية دينية لمن لم يكن من أهل الإيمان والإسلام، كما قال تعالى {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}!
وكذلك لا سمع ولا طاعة لمن ظهرت ردته كما في حديث البيعة الصحيح (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان)، أي فلا سمع ولا طاعة بل الواجب الخروج عليه وجهاده!
وعدم الحكم بردته بتأويل سائغ لا يمنع من سقوط ولايته على الأمة إذا ظهر كفر بواح مع قدرته على منعه، فنص الحديث اشترط لوجوب السمع والطاعة عدم ظهور كفر بواح فحينئذ تسقط الطاعة والولاية، سواء حكم بردة السلطان أو لم يحكم لوجود مانع وعذر!
ومن صور الردة التي تسقط الولاية حتى لو لم يحكم بكفر من صدرت منه:
1- موالاة الأعداء ومظاهرتهم على الأمة كما قال تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، بينما آية الطاعة اشترطت أن يكون أولي الأمر منا!
2- ومن صور الردة الظاهرة عدم الحكم بما أنزل الله كما قال تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}، فمن عطل الشرع، وحكم بين الأمة بغير ما أنزل الله، باختياره ورضاه، فهو طاغوت يجب البراءة منه وعدم اعتقاد ولايته أو موالاته!
قال القاضي عياض (أجمع العلماء على أن الإمام لو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة – أي مكفرة – خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر).([8])
وقال ابن حجر (ينعزل الإمام بالكفر إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك).([9])
وقال ابن بطال (إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها).([10])
فإذا كان الواجب بإجماع العلماء الخروج على مثل هؤلاء وقتالهم لمن قدر عليه، فهو جهاد في سبيل الله، والقتيل فيه شهيد معركة بلا خلاف.
وكذلك لا سمع ولا طاعة ولا ولاية لمن ظهر نفاقه وزندقته، بل الواجب جهاده كما قال تعالى {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم}…
فلا يتصور أن تكون للكافر أو المنافق ولاية شرعية دينية على المؤمنين مع الأمر بجهادهم!
فولاية المؤمنين هي لله ولرسوله ولمن تولاهما كما قال تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}..
وكذلك لا ولاية ابتداء للظالم وغير العدل كما قال تعالى {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}، وقال {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}، وقد اشترط الله العدالة فيمن يحكم في الصيد {يحكم به ذوا عدل منكم}، واشترطه في الشهداء {واشهدوا ذوي عدل منكم}، فكيف بالقاضي فضلا عن الإمام الذي يولي القضاة ليحكموا بالعدل!
قال ابن كثير في تفسيره للآية (قال سفيان بن عيينه لا يكون الظالم إماما..وقال ابن خويز منداد: الظالم لا يكون خليفة، ولا حاكما).([11])
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية (استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يجب أن يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الأمر أهله على ما تقدم من القول فيه، فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل لقوله تعالى {لا ينال عهدي الظالمين}، ولهذا خرج ابن الزبير والحسن بن علي رضي الله عنهم، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وخرج أهل المدينة على بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة).([12])
وقال ابن خويز منداد: (وكل من كان ظالما لم يكن نبيا، ولا خليفة، ولا حاكما، ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد، وما تقدم من أحكامه موافقا للصواب ماض غير منقوض).([13])
وقال ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (وفي الآية {لا ينال عهدي الظالمين} أن المتصف بالكبيرة ليس مستحقا لإسناد الإمامة إليه، أعنى سائر ولايات المسلمين: الخلافة والإمارة والقضاء والفتوى ورواية العلم وإمامة الصلاة ونحو ذلك، قال فخر الدين قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، وفي تفسير ابن عرفة تسليم ذلك، ونقل ابن عرفة عن المازري والقرطبي عن الجمهور: إذا عقد للإمام على وجه صحيح ثم فسق وجار فإن كان فسقه بكفر وجب خلعه، وأما بغيره من المعاصي فقال الخوارج والمعتزلة وبعض أهل السنة يخلع، وقال جمهور أهل السنة لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحدود، ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة..).([14])
فهذه بعض أحكام السمع والطاعة وشروطها وحدودها، كما جاءت في القرآن والسنة، وكما فهمها علماء الأمة من السلف والخلف، ليس فيهم من يقول بأن لغير المسلم أو المرتد ولاية شرعية كحال كثير من الأنظمة العربية اليوم، ولا أنه يجب إعانة الظالم على ظلمه لا على الغير ولا على النفس، ولا أنه يجب الصبر على عدوانه، ولم يحتج أحد على جواز ذلك بحديث (وإن أخذ مالك وضرب ظهرك)، فلا يتصور أن يحرم الله الظلم ويوجب التصدي للظالم والأخذ على يده وأطره على الحق أطرا، ويأمر بتغيير المنكر، كما في الصحيحين (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده)، وكما في حديث البيعة في الصحيحين (وأن نقوم بالحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم)، ويأمر بجهادهم باليد (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)! وفي المقابل يأمر بالسمع والطاعة لهم وإن أخذوا مال الإنسان أو اعتدوا عليه! فهذا تناقض صريح لا يقع أبدا من الشارع الحكيم!
وإذا كان لا يجوز بالإجماع إعانة الظالم والسلطان الجائر على ضرب بريء أو أخذ ماله ولو كان غير مسلم كما قال تعالى {وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} فكيف يتصور أن يأمر الله المسلم أن يعين الجائر على ظلم نفسه وأخذ ماله؟! أو أن يصبر على ذلك ولا يدفع عن نفسه كما أذن له على لسان نبيه (من قاتل دون ماله فهو شهيد)؟!
وكيف يأمر الله المؤمنين بقبول الظلم وإقراره على أنفسهم بينما ذكر أهم صفات أهل الإيمان وأنهم يدفعون الظلم وينتصرون ممن ظلمهم فقال {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم}!
وفي الصحيحين عن ابن عمر (على المرء المسلم السمع والطاعة إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)!
فإذا أراد السلطان المسلم الجائر ضرب إنسان، أو أخذ ماله، فإن كان هذا الضرب والأخذ للمال ظلما فهو معصية، فلا سمع ولا طاعة، بنص هذا الحديث الذي في الصحيحين، بل يجب الامتناع ومقاومة الجائر كما في حديث (من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد)!
فكيف ترد كل قطعيات القرآن والسنة هذه بمثل هذه الزيادة الضعيفة (وإن أخذ مالك وضرب ظهرك) التي ضعفها أئمة الحديث أنفسهم ونقاده كالإمام الدارقطني وهو أعلم أهل عصره بعلم العلل بلا خلاف!
مبحث : في بيان معنى لفظة (اسمع وأطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك) :
وهذه زيادة وردت في حديث محفوظ مشهور عن حذيفة، ولم يذكر عامة الرواة عنه هذه الزيادة، فالموقف منها على ثلاثة أنحاء:
الأول : الحكم عليها بالضعف وردها، أولا لكونها مرسلة منقطعة، وقد أخرجها مسلم في المتابعات لا في الأصول، وثانيا لأنها زيادة تفرد بها راو ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد في حديث محفوظ مشهور، وهذا عند نقاد الحديث علة ترد بسببها هذه الزيادة لو كانت متصلة، فكيف وهي مرسلة منقطعة بلا خلاف!
قال الدارقطني في التتبع فيما استدركه على الصحيحين رقم 53 (وأخرج مسلم حديث معاوية بن سلام عن زيد عن أبي سلام عن حذيفة .. وهذا عندي مرسل لم يسمع أبو سلام من حذيفة)!
وقد وافق الدارقطني على الحكم بالإرسال بين أبي سلام وحذيفة، كل من الحافظ المزي في تهذيب الكمال، والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، والعلائي في جامع التحصيل، والنووي في شرح مسلم حيث قال (قال الدارقطني : هذا عندي مرسل، وهو كما قال الدارقطني)!
وقال محقق الكتاب الشيخ مقبل بن هادي (في حديث حذيفة هذا زيادة ليست في حديث حذيفة المتفق عليه، وهي قوله ((وإن أخذ مالك وضرب ظهرك))، فهذه الزيادة ضعيفة، لأنها من هذه الطريق منقطعة)!
فهذه الزيادة منكرة عند أهل التحقيق، لأنه اجتمع فيها تفرد في الزيادة، وضعف في الرواية!
الثاني : قبول الزيادة بشرط تفسيرها على نحو يوافق النصوص القرآنية والنبوية القطعية، بأن يقال وإن أخذ مالك بالحق وقضى به لخصمك، أو ضرب ظهرك في حد من حدود الله بالحق، فلا تخرج عليه كحال أهل الجاهلية الذين لا يعرفون السمع والطاعة في مثل هذا الأمر، كما قالابن حزم (وكل هذا لا حجة لهم فيه، أما أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق، وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له، وإن امتنع من ذلك من وجب عليه فهو فاسق عاص لله تعالى، وأما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك! برهان هذا قول الله عز وجل {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقد علمنا أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام ربه تعالى قال الله عز وجل {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي}، وقال تعالى {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}، فصح أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو وحي من عند الله عز وجل ولا اختلاف فيه ولا تعارض ولا تناقض،فإذا كان هذا كذلك فيقين لا شك فيه يدري كل مسلم أن أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم)، فإذ لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين، فمن أسلم ماله للآخذ ظلما، وظهره للضرب ظلما، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه فهو معاون لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرام بنص القرآن)…
الثالث : حمل الزيادة على معنى خاص لا يتعارض مع النصوص الأخرى، وهو الحث على لزوم الجماعة ولزوم الخلافة في عصور الفتن، حتى وإن تعرض المسلم للتعذيب بسبب ذلك، فالخلافة العامة عصمة من الفتنة العامة، وقد ضبطت اللفظة على المبني للمجهول (وإن أُخذ مالك، وضُرب ظهرك)! كما في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 15/344 !
ويكون المعنى الزم الخلافة والجماعة، حتى وإن أوذيت بسبب ذلك على يد أهل الفتنة والفرقة فأخذوا مالك وضربوا ظهرك، كما فعل الخوارج في المسلمين حين كانوا يمتحنونهم بالبيعة لهم، ونقض بيعة خلفاء المسلمين!
ويزيده وضوحا رواية أبي داود الطيالسي لحديث حذيفة وفيه التحذير من دعاة الفتنة حيث ورد في روايته ثم يكون (دعاة الضلالة فإن رأيت يومئذ لله عز وجل في الأرض خليفة، فالزمه وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك، فإن لم تر خليفة فاهرب حتى يدركك الموت وأنت عاض على جذل شجرة).
فالمقصود ليس الصبر على الجائر حتى وإن أخذ المال واستحل الضرب، بل الصبر على لزوم الخلافة العامة وجماعة الأمة، مهما تعرض المسلم للأذى على يد دعاة الضلالة والفرقة بسبب لزومه للخلافة والجماعة!
ويزيده بيانا حديث حذيفة بن اليمان المتفق عليه في الصحيحين([15]) حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا كنا في جاهلية وشر فأتانا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟
قال: نعم!
قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟
قال: نعم! وفيه دخن.
قلت: وما دخنه يا رسول الله؟
قال: قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر!
قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر؟
قال: نعم! دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها.
قيل صفهم لنا يا رسول الله قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.
قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟
قال: الزم جماعة المسلمين وإمامهم!
قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟
قال:اعتزل تلك الفرق كلها)!
وفي رواية أحمد (قلت ثم ماذا ؟ قال ثم تكون دعاة الضلالة، قال فإن رأيت يومئذ خليفة الله في الأرض فالزمه، وإن نُهك جسمك وأُخذ مالك، فإن لم تره فاهرب في الأرض ولو إن تموت وأنت عاض بجذل شجرة).([16])
ففيه تحذير من طاعة دعاة الضلالة والدعاة على أبواب جهنم، حتى وإن أخذوا ماله وضربوا ظهره، والأمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، إن كانت الخلافة قائمة، وإلا وجب على الفرد اعتزال تلك الفرق كلها، ووجب على الأمة بمجموعها القيام بواجبها في أن تقيم الجماعة الواحدة والخلافة الراشدة!
فقسم هذا الحديث الصحيح عن حذيفة الأطوار التي تمر بها الأمة، وأنظمتها السياسية، وخطابها السياسي إلى ثلاث مراحل:
أولا: مرحلة الخير المحض، وهو عهد النبوة والخلفاء الراشدين، حيث يسود الخطاب السياسي المنزل، وحيث الأمة الواحدة، والإمامة والخلافة الواحدة، ثم تحدث فتنة وشر، وهو ما جرى من فتن في آخر عهد الصحابة، وهي إرهاصات التحول إلى مرحلة جديدة.
ثانيا: مرحلة الخير الذي فيه دخن، حيث يظهر الخطاب المؤول، ويكون الناس جماعة واحدة على دخن فيهم وبينهم، وتختلط السنة بالبدعة، والخطاب المنزل بالمؤول، حيث يكون خلفاء يخلطون الخير بالشر، والمعروف بالمنكر، والسنة بالبدعة، كما قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم (يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر).
وهم الذين قال فيهم كما في الحديث الصحيح في مسلم (يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول)، وقال أيضا (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما)..الخ
وهؤلاء هم الذين تنزل عليهم أحاديث الصبر على ما قد يقع منهم من أثرة، مع أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإعانتهم على الحق.
وهذه هي مرحلة الخطاب المؤول التي ظلت الخلافة فيه قائمة نحو ألف ومائتي عام، منذ استشهاد آخر خليفة صحابي وهو عبد الله بن الزبير سنة 73هـ إلى سقوط آخر خلافة للمسلمين وهي الخلافة العثمانية على يد الجيوش الصليبية الاستعمارية في الحرب العالمية الأولى!
ثالثا: ثم مرحلة الشر المحض، وهي مرحلة الخطاب المبدل كلية، وما أقامته الحملة الصليبية على أنقاض الخلافة من دويلات طوائف على أسس قومية ووطنية، لتغيب لأول مرة في تاريخ المسلمين الخلافة الجامعة، ولتتشرذم الأمة والجماعة الواحدة، وتتعطل الشريعة الحاكمة، حيث الفتنة العمياء الصماء فلا جماعة ولا خلافة، ليقوم فيها دعاة من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيه، حيث يحكم الأمة ويتصرف فيها خطاب سياسي مبدل، قوميا تارة، واشتراكيا تارة، وشيوعيا تارة ثالثة، ورأسماليا ليبراليا تارة أخرى!!
ومما يؤكد أن الانحراف المقصود بهذا الحديث هو الانحراف في الخطاب السياسي، ما جاء في آخره(قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال:الزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: اعتزل تلك الفرق كلها)!
فجعل العصمة من هذه الفتنة العامة، لا بلزوم الكتاب والسنة الذين يجب لزومهما في كل وقت وحال، بل بلزوم النظام السياسي الإسلامي المتمثل في الخلافة الجامعة، والأمة الواحدة، وفي رواية أحمد وأبي داود (إن كان لله في الأرض خليفة فالزمه وإن أُخذ مالك وضُرب ظهرك)!
فدل على أن المحدثات والبدع هي في الخطاب السياسي الذي يسوس شئون الأمة على غير هدى الكتاب والسنة وسنن الخلفاء الراشدين، كما في الحديث الصحيح (من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، حيث بدأت بالملك العضوض، ثم يأتي زمان تزول فيه الخلافة كلية، ويكون البديل عنها جبابرة وطواغيت ودعاة على أبواب جهنم، كل طاغوت يحكم في بلده وفق هواه وشهواته وياسقه!
ثم ستعود بعد ذلك خلافة على نهج النبوة من جديد، كما جاء في أحاديث صحيحة أخرى عن حذيفة نفسه!
فربط حديث حذيفة الانحراف بما سيجري من افتراق الجماعة والإمامة، وهو موضوع سياسي، إذ توحيد الأمة السياسي قرين توحيدها الديني كما في الحديث الصحيح (إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا….)!
ويزيده وضوحا ما جاء عن حذيفة نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم تكون ملكا عاضا، ثم تكون ملكا جبرية، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).([17])
وعن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه قال سمعت حذيفة رضي الله تعالى عنه يقول (لكأني براكب قد أناخ بكم فقال الأرض أرضنا والمال مالنا، فحال بين الأرامل والمساكين وبين المال الذي أفاء الله على آبائهم).([18])
فكل هذه الأحاديث التي كان يحدث بها حذيفة بن اليمان تتحدث عن فتن سياسية، وعن انحراف في الخطاب السياسي، وعن بعض ملامح هذا الانحراف، وأنها تطرأ على الخلافة وتحولها من خلافة راشدة وشورى على نهج النبوة، إلى خلافة ملك عضوض، ثم ملك جبري قهري، واستبداد بالسلطة، واستئثار بالأموال، وأن من يفعلون ذلك سيدعون أن الأرض أرضهم والمال مالهم، بعد أن كانت الأرض للأمة والمال مالها!
وقد وردت أحاديث كثيرة كحديث حذيفة، تحدد ملامح الانحراف في الخطاب السياسي وتحوله من خلافة راشدة، ثم خلافة رحمة، إلى خلافة ملك عضوض، ثم إلى جبابرة وطواغيت ومن ذلك:
1- عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت، يستحل فيها الخمر والحرير)، وفي رواية (إن أول دينكم بدأ نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا وجبرية يستحل فيها الدم)، وفي رواية من حديث قتادة عن الخشني عنه (أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، ثم تصير جبرية وعبثا)، وفي رواية من حديث عبد الرحمن بن جبير عن أبي عبيدة مرفوعا (أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، وفيه رحمة، ثم جبروت تضرب فيها الرقاب، وتقطع فيها الأيدي والأرجل، وتؤخذ فيها الأموال).([19])
2- عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا وجبرية، ثم ملكا عضوضا يستحل فيه الحر والحرير).([20])
3- عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(إنه بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم كائن خلافة ورحمة، ثم كائن ملكا عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الحرير والخمور والفروج والفساد في الأرض).([21])
4- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال(إنها ستكون ملوك ثم جبابرة ثم الطواغيت).([22])
5- وعن كعب قال( أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم سلطان ورحمة، ثم ملك جبرية، فإذا كان ذلك فبطن الأرض يومئذ خير من ظهرها).([23])
ويظهر من مجموع هذه الأحاديث أنه تكون بعد النبوة ثلاث نظم سياسية:
أولا: خلافة رحمة على نهج النبوة، وهي التي تعبر عن مضامين الخطاب المنزل، وهي تنقسم إلى فترتين: خلافة نبوة، وهو عهد الخلفاء الراشدين، وخلافة رحمة، وهم الخلفاء من الصحابة بعد الخلفاء الراشدين، كما فصلته في (تحرير الإنسان).
ثانيا: خلافة مشوبة بملك فيه رحمة، وسلطان ورحمة، وملك أعفر مختلط، وهو الذي يمثل الخطاب المؤول، وهم الخلفاء الذين تتابعوا بعد عهد الصحابة من خلفاء بني أمية وبني العباس وبني عثمان، حيث يكون الأمر فيه بالمغالبة والقوة وهو خلافة الملك، مع العدل والصلاح والحكم بالشريعة والجهاد في سبيل الله، إلا أنه تختلط فيه السنة والبدعة، والمعروف والمنكر، وسلطان ورحمة، وملك أعفر، ويختلط فيه الخير والشر، والرحمة والشدة، والاستبداد والعدل، كما في الحديث الصحيح (تعرف منهم وتنكر)، ثم يزول هذا الأمر كلية.
ثالثا: ثم تزول الخلافة كلية ويخلفها جبرية وطاغوتية وعبث لا رحمة